في منزلٍ أنهكته قسوة الظروف، لم تكن الأسرة بحاجة إلى رفاهية أو تحسينات شكلية، بل إلى أبسط مقومات الحياة الآمنة، نافذة تحمي أطفالها من البرد، وسقف لا يترك مياه الشتاء تتسلل إلى الداخل، وبيت يمنحهم شيئاً من الأمان وسط أعباء صحية واقتصادية تفوق قدرتهم على الاحتمال.
ومن هنا، نفذ مركز الخدمة المجتمعية مشروعاً إنسانياً عاجلاً لإعادة تأهيل منزل أسرة محتاجة في مدينة نابلس، بهدف تحسين ظروف السكن وتعزيز عوامل السلامة، وتوفير بيئة أكثر أمناً وكرامة لأفراد الأسرة، ضمن جهود المركز في مساندة الأسر التي أثقلها الفقر والظروف المعيشية الصعبة.
تعيش الأسرة ظروفاً بالغة القسوة، فالأب يعاني من مرض مزمن أقعده عن العمل، بينما تكافح الأم في رعاية أبنائها السبعة ومتابعة شؤون الأسرة اليومية، وبين الأطفال، تواجه إحدى البنات مرض السرطان، فيما تعاني أخرى من مرض في الغدة، ويحتاج أحد الأبناء إلى عملية في العين، في الوقت الذي يواصل فيه جميع الأبناء تعليمهم ويحاولون التمسك بحقهم في الدراسة رغم ما يحيط بهم من أعباء.
ولا تتوقف معاناة الأسرة عند ذلك، إذ تعيش معهم الجدة المسنة التي تعاني بدورها من أمراض مزمنة وتحتاج إلى الرعاية الصحية والأدوية بصورة مستمرة، لتجد الأسرة نفسها أمام احتياجات صحية متزايدة، مقابل إمكانات مادية محدودة للغاية.
أما المنزل، الذي يفترض أن يكون الملاذ الآمن لهم، فقد أصبح بحاجة ماسة إلى الإصلاح، فالنوافذ كانت تالفة بالكامل، والمجلى الرئيسي مكسوراً، فيما يغطي سقف من الزينكو مدخل الدرج، وقد أصبح متهالكاً إلى درجة تسمح بتسرب مياه الأمطار خلال فصل الشتاء، مما يؤدي إلى غرق أجزاء من المنزل، كما تحتاج جدران المنزل إلى أعمال دهان وتأهيل بعد أن بقيت دون طلاء.
وجاء تدخل المركز استجابة لهذه الحالة الإنسانية الطارئة، في ظل عجز رب الأسرة عن العمل بسبب وضعه الصحي، وعدم قدرته على تأمين الاحتياجات الأساسية لأسرته. ورغم ما تتلقاه الأسرة من مساعدات محدودة من بعض الجمعيات، فإن تلك المساعدات لا تكفي أمام حجم الاحتياجات اليومية، فضلاً عن تكاليف العلاج والأدوية التي تتوزع بين الأب والأبناء والجدة المسنة.
هذه الأسرة لا تواجه الفقر بوصفه نقصاً في المال فقط، بل تعيش تبعاته في تفاصيل حياتها اليومية؛ في بيت لا يحميها كما ينبغي، وفي أمراض تحتاج إلى علاج، وفي أطفال يحاولون مواصلة تعليمهم وسط ضغوط لا يفترض أن يتحملوها في هذه السن.
وتكشف مثل هذه الحالات الوجه الأشد قسوة للفقر، حين يتحول العجز عن توفير الدخل إلى عجز عن إصلاح نافذة مكسورة أو سقف متضرر أو تأمين دواء لمريض، عندها يصبح المسكن نفسه جزءاً من المعاناة، وتتداخل الضغوط الاقتصادية والصحية والنفسية والاجتماعية لتضع الأسرة في دائرة متواصلة من الحرمان.
ومن خلال هذا المشروع، لم يكن الهدف مجرد إصلاح منزل، بل إعادة شيء من الشعور بالأمان إلى أسرة أنهكتها الظروف، ومنح الأطفال مساحة أكثر ملاءمة للدراسة والحياة، والتخفيف عن كاهل أم تكافح وحدها للحفاظ على تماسك أسرتها، وتوفير بيئة أكثر إنسانية لمرضى ومسنة يحتاجون إلى الرعاية.
فأحياناً، قد يبدأ التغيير من نافذة تصلح، أو سقف يرمم، أو جدار يستعيد لونه، لكنها بالنسبة لأسرة تعيش تحت وطأة الفقر والمرض، قد تعني أكثر بكثير من ذلك، قد تعني أن هناك من رأى معاناتها، ولم يتركها وحدها في مواجهتها.
عدد القراءات: 28