واصل برنامج تأهيل المسكن، أحد برامج مركز الخدمة المجتمعية في جامعة النجاح الوطنية، خلال النصف الأول من عام 2019، تنفيذ تدخلات إنسانية وهندسية هدفت إلى تحسين الظروف الصحية والبيئية لمساكن الأسر الفقيرة والأكثر احتياجاً، انطلاقاً من إيمان البرنامج بأن المسكن اللائق ليس مجرد جدران وسقف، بل مساحة يفترض أن تمنح الإنسان الأمان والخصوصية والراحة والاستقرار النفسي.
وخلال هذه الفترة، أنجز البرنامج 17 حالة في عدد من المناطق، بتمويل من مصدرين رئيسيين، أولهما صندوق مركز الخدمة المجتمعية، المدعوم من طلبة مساق خدمة المجتمع من خلال مبادرة "دفاتر الخير"، ولجنة ملتقى الخير، حيث تخصص عائداته لدعم برامج تحسين السكن ومساندة الأسر الأكثر احتياجاً ورفع الضرر عن الفئات الأقل حظاً، ولا سيما الأطفال وكبار السن والمرضى. أما المصدر الثاني، فتمثل في الشراكة المجتمعية والتشبيك مع المؤسسات المحلية والجهات التطوعية.
وتوزعت الحالات جغرافياً بين 5 حالات في مدينة نابلس، و11 حالة في القرى المحيطة، وحالة واحدة في مخيم طولكرم. أما من حيث الظروف الاجتماعية، فقد شملت 11 حالة لأسر فقيرة، وحالتين لمسنتين، و4 حالات لأسر تعيلها نساء أرامل.
ورغم أن التدخلات في ظاهرها هندسية ومادية، إلا أن خلف كل جدار تم إصلاحه، وكل أرضية تم تبليطها، وكل غرفة أُعيد تأهيلها، قصة إنسانية لأسرة عاشت طويلاً تحت ضغط الفقر وغياب مقومات السكن الصحي. فالمسكن غير الآمن لا يرهق الإنسان مادياً فقط، وإنما يمكن أن يتحول إلى مصدر دائم للقلق والخوف والإحراج وفقدان الخصوصية، وهي مشاعر تكون أكثر قسوة على الأطفال والمسنين والمرضى والأرامل.
في بلدة قبلان، كانت الحكاية حكاية أم أرملة تحمل مسؤولية أسرة فقيرة مكونة من خمسة أفراد كانت الأسرة تعيش في منزل متواضع تفتقر أرضياته إلى التبليط، الأمر الذي جعل تفاصيل الحياة اليومية أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة للأطفال وأفراد الأسرة الذين اضطروا إلى التعايش مع ظروف سكنية لا توفر الحد الأدنى من الراحة. ومن خلال الشراكة مع بلدية قبلان وعدد من الجهات المحلية في البلدة، جرى تبليط أرضيات المنزل بالكامل، إلى جانب تبليط جدران المطبخ والمرافق الصحية.
وقد مثل هذا التدخل أكثر من مجرد تحسين مادي، فقد منح الأم شعوراً بأن هناك من يساندها في حمل مسؤولية أسرتها، ومنح أفراد الأسرة مساحة أكثر أمناً وكرامة، بعيداً عن الإحساس المستمر بالعجز أمام متطلبات منزل لا تملك الأسرة القدرة على إصلاحه.
وفي البلدة القديمة بمدينة نابلس، عاشت أسرة فقيرة مكونة من الأب والأم وبنت وولد في منزل قديم لا يتجاوز غرفتين ووحدة صحية، من دون وجود مطبخ، كانت الساحة الأمامية للمنزل مكشوفة، كما أن إحدى الغرف لم تكن مهيأة بالشكل المناسب للمبيت.
تدخل البرنامج، بالتعاون مع جهات محلية، لإنشاء مطبخ في الساحة الأمامية وتسقيفها بالزينكو، إضافة إلى تبليط الغرفة الثانية لتصبح أكثر ملاءمة للمبيت.
بالنسبة إلى طفل يعيش في منزل ضيق ومتهالك، قد لا تكون المشكلة في شكل الجدران وحده، فقد يرتبط المنزل في ذاكرته بالخوف من الشتاء، أو بالبرد، أو بعدم وجود مكان مناسب للنوم والدراسة واللعب. ولهذا فإن تحسين المسكن يمكن أن يكون خطوة باتجاه استعادة إحساس الطفل بأن لديه مكاناً آمناً ينتمي إليه، وهو أمر أساسي لنموه النفسي والاجتماعي.
أما في مخيم طولكرم، فكانت الحالة لزوجين من كبار السن يعيشان في منزل متواضع يفتقر إلى مطبخ ووحدة صحية تستوفي أبسط الشروط الصحية. وبالشراكة مع متطوعين من الحي، عمل البرنامج على تأهيل الوحدة الصحية والمطبخ والغرف، فيما قام الفريق التطوعي بتركيب سقف من الزينكو للساحة الأمامية للمنزل.
ولدى كبار السن، تكتسب مثل هذه التدخلات أهمية مضاعفة، فضعف القدرة الجسدية على الحركة يجعل البيئة المنزلية غير الملائمة عبئاً يومياً، وقد يحول بعض الاحتياجات البسيطة إلى مصادر للخوف والاعتماد على الآخرين. لذلك فإن توفير بيئة أكثر أمناً وملاءمة يمكن أن يساعد المسن على الحفاظ على استقلاليته وشعوره بالكرامة، ويخفف من القلق الذي تسببه ظروف السكن الصعبة.
وفي حارة الحبلة بمدينة نابلس، كانت هناك حالة لمسنة مريضة بالفشل الكلوي، تعيش في منزل يتكون من غرفة واحدة ومنافعها، برفقة بناتها الثلاث وحفيدها، كانت الأسرة تواجه ظروفاً معيشية وصحية شديدة الصعوبة، فجرى، بالشراكة مع جهات محلية تطوعية وبالتعاون مع بلدية نابلس، تأهيل الوحدة الصحية، وإنشاء غرفة إضافية صغيرة، إلى جانب تأهيل التمديدات الصحية في المنزل.
هذه الحالة تختصر جانباً مهماً من فلسفة البرنامج، فحين يكون المرض جزءاً من الحياة اليومية للأسرة، تصبح جودة المكان الذي يعيش فيه المريض عاملاً مؤثراً في حالته النفسية. فالمريض لا يحتاج إلى العلاج والرعاية الطبية فقط، وإنما يحتاج أيضاً إلى بيئة منزلية تمنحه الراحة والخصوصية وتخفف عنه الشعور بالعبء والعجز، وتمنح أفراد أسرته مساحة تساعدهم على مواصلة رعايته بقدر أكبر من الطمأنينة.
وتتكرر قصص النجاح في حالات أخرى تدخل فيها البرنامج لصالح أسر فقيرة ومعسرة، من خلال تنفيذ أعمال التأهيل المختلفة وتقديم الاستشارات والمتابعات الهندسية لحالات أخرى، بما يؤكد أن العمل لا يتوقف عند إصلاح الضرر المادي، وإنما يسعى إلى التعامل مع الأسرة باعتبارها وحدة متكاملة لها احتياجات صحية ونفسية واجتماعية وإنسانية.
ولا تقتصر أهمية هذه التدخلات على تحسين الأرضيات والجدران والأسقف والمرافق، وإنما تمتد إلى ما هو أعمق من ذلك، إعادة بناء الإحساس بالأمان داخل الأسرة.
فالطفل الذي اعتاد أن يرى منزله في حالة متردية قد يحمل معه مشاعر الخوف والحرمان والإحراج أمام أقرانه. والمسن قد يشعر بأن منزله لم يعد مكاناً آمناً له، فيزداد اعتماده على الآخرين وعزلته. والأرملة التي تتحمل مسؤولية أسرتها وحدها قد تواجه، إلى جانب الفقر، ضغطاً نفسياً مستمراً ناتجاً عن شعورها بالعجز عن توفير أبسط احتياجات المنزل. أما المريض، فقد تتحول البيئة المنزلية غير الصحية إلى عبء إضافي فوق معاناته الجسدية.
ومن هنا، فإن تأهيل المسكن هو في جوهره تدخل إنساني يمس الصحة النفسية بقدر ما يمس الصحة الجسدية، فحين تغلق نافذة كانت تسمح بتسرب مياه الشتاء، أو تُجهز وحدة صحية لائقة، أو تضاف غرفة تمنح الأسرة مساحة من الخصوصية، فإن الأثر لا يقاس فقط بما تم إصلاحه، وإنما بما تم استعادته من مشاعر الأمان والراحة والكرامة.
إن المنزل الذي يصبح أكثر أماناً يمنح الطفل فرصة للنوم دون خوف، والمسن مساحة للحركة دون قلق، والمريض ظروفاً أكثر ملاءمة للتعافي والرعاية، والأرملة شعوراً بأنها ليست وحدها في مواجهة أعباء الحياة، والأسرة الفقيرة أملاً بأن ظروفها الصعبة لا تعني أنها منسية أو متروكة لمصيرها.
ويجسد برنامج تأهيل المسكن بذلك التزام مركز الخدمة المجتمعية بدوره التنموي والإنساني، وسعيه المتواصل إلى التخفيف من معاناة الأسر الفقيرة والأكثر هشاشة، وتعزيز الحق في السكن اللائق، ليس باعتباره حاجة مادية فحسب، وإنما باعتباره حقاً يرتبط بالصحة النفسية والجسدية والكرامة الإنسانية.
كما يعكس البرنامج روح الشراكة المجتمعية التي تجمع الجامعة والطلبة والمتبرعين والمؤسسات المحلية والمتطوعين، في نموذج يؤكد أن التغيير الحقيقي قد يبدأ أحياناً من مساحة صغيرة داخل منزل متواضع، لكنه يترك أثراً كبيراً في نفوس من يعيشون فيه.
فكل منزل أُعيد تأهيله لم يكن مجرد مشروع هندسي أنجز، بل كان أسرة استعادت شيئاً من طمأنينتها، وطفلاً استعاد إحساسه بالأمان، ومسناً استعاد شيئاً من استقلاليته، ومريضاً وجد بيئة أكثر ملاءمة، وأرملة شعرت أن هناك من يقف إلى جانبها.
وهو ما ينسجم مع أهداف التنمية المستدامة في محاربة الفقر وتحسين جودة الحياة، ويؤكد حرص جامعة النجاح الوطنية على ترجمة مسؤوليتها المجتمعية إلى مبادرات عملية تلامس حياة الناس وتعيد إليهم شيئاً أساسياً لا يقل أهمية عن الجدران والسقف وهو الأمل.
عدد القراءات: 160